وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ فقد أبرزت التطورات الإقليمية وحرب الروايات في السنوات الأخيرة، مكانة الإعلام وجهاد التبيين ودور النخب أكثر من أي وقت مضى. وفي هذا السياق، تحدثت السيدة روافد الياسري، الخبيرة العراقية، ورئيسة منظمة "الأمة بلا حدود" في النرويج، والعضو المؤسس في "مجمع صوت المقاومة للنخب الفكرية والإعلامية"، في حوار خاص مع وكالة "ابنا"، عن تجربتها في النشاط الثقافي والإعلامي في الغرب، ومكانة المقاومة في المعادلات الراهنة، ودور الإعلام في حرب الروايات، ومسؤولية المرأة في جبهة المقاومة.
من التعليم في أوروبا إلى النشاط في جبهة جهاد التبيين
ابنا: للبدء، نرجو أن تحدثينا قليلاً عن خلفية نشاطاتكِ والمسار الذي قطعتهِ حتى الآن
روافد الياسري: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) وآله الطيبين الطاهرين. أنا روافد الياسري، عراقية الأصل، أعيش في أوسلو، عاصمة النرويج، منذ أكثر من 35 عاماً. جزء كبير من نشاطي مخصّص للأعمال التطوعية، ومن بينها رئاسة منظمة "الأمة بلا حدود". كما أنني أعمل في جبهة جهاد التبيين من خلال "مجمع صوت المقاومة للنخب الفكرية والإعلامية"، وهو مجمع يهدف إلى جمع النخب الإعلامية والفكرية، وتقديم نموذج في طريق جهاد التبيين من خلال الحضور والنشاط في مختلف المجالات.
المقاومة؛ السبيل الوحيد لعزة الشعوب الحرة
ابنا: في ظل التطورات الراهنة في المنطقة، أين ترين موقع جبهة المقاومة اليوم؟
الياسري: محور المقاومة هو محور العزة والثبات في مواجهة الاستكبار العالمي والهيمنة والظلم. اليوم، المقاومة في أوج تماسكها؛ من إيران الصامدة واليمن العزيز، إلى لبنان والعراق وغزة؛ غزة التي قامت المقاومة للدفاع عنها، دفاعاً عن فلسطين وتحريرها من الاحتلال الصهيوني.
هذه المقاومة العظيمة، اليوم، هي الخيار الاستراتيجي الوحيد أمام الشعوب الحرة. نحن لا نرضى بغير المقاومة في مواجهة العدو، ونوقن بأن هزيمة العدو حتمية. اليوم، تعيش المقاومة أصعب أيامها، لكنها أكثر تماسكاً من أي وقت مضى.
إن جميع أحرار العالم يرون جيداً أن هذا التيار، منذ عملية "طوفان الأقصى" وحتى قبلها، أي منذ بداية انتصار الثورة الإسلامية في إيران، قد سجّل سجلاً حافلاً؛ لأن الإمام الخميني (قدس سره) هو أول من أسس هذه المقاومة.
وهذه الصمود الأسطوري لم يتوقف أبداً، لا بالحصار، ولا بالقتل، ولا بإثارة الرعب، رغم أن العدو يمتلك كل أدوات القوة. وسبب هذا الثبات واضح؛ لأن هذه المقاومة تؤمن بالوعد الإلهي والنصر النهائي. هذا التيار هو جبهة الحق في مواجهة جبهة الباطل. ومن هنا، أنا مؤمنة بوعد الله سبحانه، حيث يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
هذه الجماعة المؤمنة والطاهرة التي تقف في وجه المستكبرين، سينصرها الله تعالى. كلما أوقد الأعداء نار الحرب، أطفأها الله. وهذا وعد إلهي.
كما أن استضعاف المستضعفين وتمكينهم هو وعد إلهي أيضاً، والمقاومة تستمد قوتها من الإيمان، ودعم الشعوب الحرة، والوعد الإلهي الذي لا يتخلف.
رواية الغرب عن المقاومة؛ حرب لتحريف الحقيقة
ابنا: لقد عشتِ سنوات طويلة في أوروبا. برأيكِ، ما هي الرواية التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية عن المقاومة، وكيف يجب التعامل مع هذه الرواية؟
الياسري: نحن نواجه يومياً وسائل إعلام تحاول تشويه الحقائق وتشويه صورة المقاومة. تحريف الحقيقة وتقديم المقاومة تحت عنوان "الإرهاب" هي الرواية الغالبة لوسائل الإعلام الغربية في مواجهة محور المقاومة؛ المحور الذي تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتشارك فيه غزة ولبنان والعراق واليمن بصمودها.
هذه الوسائل تقدم قوات المقاومة على أنها "جماعات غير قانونية"، لكن الله قد أراد أن يُتم نوره. كلما حاولوا إطفاء هذا النور، زاده الله إشراقاً. اليوم، أدركت الشعوب الحقيقة أكثر من أي وقت مضى، وتفهم تدريجياً أن رواية وسائل الإعلام الغربية هي رواية مزيفة.
لم يعد الرأي العام يتأثر كما في السابق بوسائل الإعلام الرئيسية، لأن الفضاء الإعلامي اليوم اختلف عن الماضي. اليوم، يتابع الناس الحقائق بعيون أكثر انفتاحاً، وتنتشر الأخبار بسرعة أكبر. وهذا ما جعل حتى بعض وسائل الإعلام مضطرة لعكس جزء من مظلومية شعوب المنطقة.
ومن هنا، فإن رواية الاستكبار العالمي التي تروّجها وسائل الإعلام التابعة، تبهت تدريجياً؛ لأن جبهة الحق هي جبهة المظلومين، والله تعالى لا يترك المظلوم دون ناصر.
"النموذج الثالث للمرأة"؛ رواية مختلفة عن مكانة المرأة في خطاب المقاومة
ابنا: أشرتِ إلى دور الإعلام في حرب الروايات. إلى جانب ذلك، كيف تقيمين مكانة المرأة في محور المقاومة؟
الياسري: في اعتقادي، فإن المرأة، خاصة في محور المقاومة، تضطلع بدور محوري وحاسم. لقد حاولنا، من خلال تبيين المكانة الحقيقية للمرأة وزيادة الوعي بمسؤولياتها، تقديم "النموذج الثالث للمرأة"؛ وهو النموذج الذي قدّمه محور المقاومة، وحدّدت معالمه قيادة الثورة الإسلامية، سماحة آية الله السيد علي الخامنئي.
لقد طُلب منا تقديم نموذج للعالم يقف في وجه نظرتين متطرفتين تجاه المرأة: من جهة، النظرة التي تهمّش المرأة وتمنعها من أداء دورها الحقيقي وتفرض عليها العزلة والبقاء في المنزل؛ ومن جهة أخرى، النظرة التي تختزل المرأة إلى سلعة للاستغلال والصفقة.
نحن تخليّنا عن كلا النموذجين، وقدمنا بدلاً منهما النموذج القرآني للمرأة؛ امرأة رائدة، امرأة زينبية، امرأة فاطمية، وامرأة كآسية ومريم (عليها السلام). وقد قدّم الله هذا النموذج للرجال والنساء المؤمنين كقدوة، ونحن حاولنا إحياء هذه المكانة مجدداً، خاصة في المعركة المصيرية التي تدور اليوم، حيث يجب أن تكون للمرأة حضور فاعل وواعٍ ومؤثر.
المرأة المسلمة؛ من ميدان المقاومة إلى جهاد التبيين
ابنا: كيف تحقق هذا النموذج عملياً؟ هل يمكننا رؤية نماذج ملموسة له في دول محور المقاومة؟
الياسري: بلا شك؛ يكفي أن ننظر إلى دور المرأة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لقد حضرن في الشوارع والمؤسسات ومختلف المجالات، ودعمن الثورة، وسعين للصمود في وجه العدو.
النساء الإيرانيات كنّ في الميدان ليلاً ونهاراً ليعلنّ بصوت عالٍ أنهن لن يستسلمن للاستكبار. لقد أثبتن أن الأمومة والزوجة والأخت لا تعني أبداً الابتعاد عن المسؤوليات الاجتماعية، بل يمكن، إلى جانب أداء هذه الأدوار، أن نكون حاضرين في ميدان الدفاع عن المثل العليا.
هؤلاء النساء، رغم كل الضغوط والحصارات والظلم والمشاق التي تحملنها، ورغم استشهاد أبنائهن وأزواجهن وإخوتهن وأعزائهن، لم يتراجعْنَ أبداً عن الميدان. ويمكننا مشاهدة هذه الحقيقة نفسها في غزة واليمن والعراق ولبنان. انظري إلى نساء غزة، وإلى نساء اليمن والعراق ولبنان؛ نساء قدّمن أعز ما لديهن في سبيل مثلهن العليا، لكنهن ظللن صامدات.
في اعتقادي، لقد وجدت المرأة اليوم في محور المقاومة مكانة أسطورية وملهمة.
الحرب الناعمة؛ معركة لتغيير هوية المرأة المسلمة
ابنا: يرى البعض أن أحد أهم ميادين المواجهة اليوم هو مجال الثقافة والهوية. كيف تقيمين هذه المسألة؟
الياسري: ظنّ الأعداء أنهم يستطيعون، من خلال الحرب الناعمة، أن يفصلوا المرأة المسلمة عن هويتها، وأن يزرعوا الشك في نفوسها، وأن يقللوا من قيمة قيم مثل الحجاب والهوية الإسلامية في نظرها. لكن ما حدث عملياً كان مختلفاً.
لقد صمدت المرأة المسلمة محافظة على هويتها الدينية في وجه هذا التيار، وأثبتت أنه يمكن أن تكون حاضرة في المجتمع ومؤثرة، وفي الوقت نفسه متمسكة بالقيم الإسلامية. بل إن كثيراً ممن تأثروا في مرحلة ما بهذه الحرب الإعلامية والثقافية، عدّلوا مسارهم بعد مشاهدتهم حقائق هذه المعركة، لأنهم أدركوا أن ما يحدث ليس حرباً ظالمة ضد أمة أو دولة، بل محاولة لاستهداف أمة المقاومة. ولهذا، أعتقد أن المرأة لعبت في هذه المعركة دوراً عزيزاً ومشرّفاً أيضاً.
المرأة؛ مهندسة جيل المقاومة
ابنا: ما هي أهم مسؤوليات المرأة في رأيكِ؟
الياسري: اليوم، واجبنا هو أن نقدّم للعالم نموذجاً نفخر به؛ وهو النموذج القرآني الذي لا يمنع المرأة من الإدارة والنشاط الاجتماعي والدفاع والتربية.
المرأة هي مهندسة جيل المقاومة؛ هي التي تربّي جيلاً صامداً واعياً؛ تلك الأم التي تعدّ ابنها للدفاع عن العزة والكرامة والمثل العليا.
لم يفرض الله سبحانه الجهاد العسكري على النساء، لكن المرأة تتحمل مسؤولية كبرى في جهاد التبيين، أي التنوير وتبيين الحقيقة، وهي، في اعتقادي، كانت رائدة في هذا المجال أيضاً. ومن ثم، فإن دور المرأة في مستقبل هذه الأمة سيكون دوراً حاسماً ومصيرياً.
القيادة؛ محور تماسك واستمرار جبهة المقاومة
ابنا: لقد أكدتِ في أجزاء مختلفة من حديثكِ على دور القيادة في دفع محور المقاومة. كيف تبيّنين هذه المكانة؟
الياسري: في اعتقادي، من أهم عوامل تماسك محور المقاومة هو موضوع القيادة؛ قيادة هدفت هذا التيار على مدى السنوات الماضية وأبقت مساره واضحاً. لم يكن الإمام الخميني (قدس سره) مجرد قائد سياسي لنا، بل كان أباً روحياً لنا، وقد فتح بثورته الإسلامية طريقاً جديداً أمام الأمة الإسلامية.
أنا شخصياً أعيش في بلدان غربية منذ أكثر من 35 عاماً، وفي كل هذه السنوات تتبعت أفكار وتوجيهات قائد الثورة الإسلامية، سماحة آية الله السيد علي الخامنئي، واستلهمت من كلماته وتوجيهاته، وأدين بجزء كبير من قدرتي ودوافعي ونشاطي في جهاد التبيين لهذه الأفكار. ولهذا أعتقد أن الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم هي حرب ظالمة.
يقول الله سبحانه في القرآن الكريم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وأنا، مستلهمة من هذه الآيات، أقول لقائد الثورة الإسلامية: إن الله تعالى قد وضع هذه المسؤولية الكبرى على عاتقكم، ولا شك أن حكم الله أوسع مما نعلم.
نحن على عهدنا ثابتون
ابنا: لو أردتِ في ختام هذا الحوار أن توجهي رسالة إلى قائد الثورة الإسلامية وشعوب محور المقاومة، ماذا ستقولين؟
الياسري: أوجه كلمتي إلى قائد الثورة الإسلامية، سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي، قائلة: يا مولانا، نحن على عهدنا ثابتون، وسنبقى إلى جانبكم حتى نهاية هذا الطريق.
لقد رأينا النموذج الأول في الإمام الروح الله الموسوي الخميني (قدس سره)؛ قيادة فتحت طريق العزة والاستقلال للأمة الإسلامية. ثم رأينا من بعده قيادة وقفت بصلابة في وجه الاستكبار، وأبقى الأمل حياً في قلوب الشعوب، وعلمنا أن الوصول إلى القمة لا يكون دون المرور بطرق صعبة.
لقد تعلمنا أنه كلما كان الطريق أصعب، كانت قيمة الهدف أعظم، ونحن موقنون بأن النصر بإذن الله سيكون من نصيب جبهة الحق.
كما تعلمنا دروساً عظيمة من جهاد شهيد الأمة، الفريق قاسم سليماني؛ شخصية كان إخلاصها وتضحيتها وصمودها ملهمة لنا جميعاً. واليوم، نفس العهد ونفس الإيمان لا يزالان قائمين. نحن نقف إلى جانبكم في وجه الظلم والاستكبار؛ معكم وليس مع أعدائكم. يا مولانا، واصلوا هذا الطريق متوكلين على الله، فهو خير حافظ ونصير. المستقبل هو لجبهة الحق.
ابنا: كلمة أخيرة؟
الياسري: اليوم، نحن الأمهات والأخوات والبنات والزوجات، نقف إلى جانب هذا الطريق، ونؤمن بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستنتصر، وأن جبهة الحق ستفوز. هذا وعد الله لعباده المؤمنين، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾.
نحن نؤمن بهذا الوعد الإلهي، ونوقن بأن المستقبل سيكون للحق. وأكرر تأكيدي بأننا معكم؛ معكم وليس مع أعدائكم.
الحوار: زكية منصوري
.....................
انتهى / 323
تعليقك